علي بن مهدي الطبري المامطيري

234

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

وقد قدرتم على الزّاد ، وأمرتم بالسّفر ، وحثثتم على السير ، فإنّما أنتم كركب وقوف [ لا يدرون ] متى يؤمرون بالمسير . ألا ما يصنع بالدّنيا من خلق للآخرة ، وما يصنع بالمال من علم أنّه عن قليل سيسلبه ، وتبقى عليه تبعته ، وحسابه عند اللّه ، إنّه ليس لما وعد اللّه من الخير مترك ، ولا لما نهى عنه من الشرّ مهرب . عباد اللّه ، احذروا يوما تمحّص فيه الأعمال ، ويكثر فيه الزلزال والأهوال ، ويشيب فيه الولدان ، ويكون فيه مصادر الخلائق على الشّقوة [ أ ] والسّعادة بالأعمال ، ألا فلا تركبنّ الشكّ بعد اليقين ، ولا تهلكوا أنفسكم بعد معاينة الحقّ المبين . اعلموا عباد اللّه أنّ عليكم راصدا من أنفسكم ، وعيونا من جوارحكم ، وحفّاظ صدق في ذاتكم ، يحفظون عليكم أعمالكم وعدد أنفاسكم ، ما يستركم منهم ليل داج ، ولا يكنّكم منهم ستر ذو رتاج « 1 » ، فكلّهم شهود عليكم بما جنت أنفسكم . فاتّقوا اللّه عباد اللّه ؛ فإنّ غدا من اليوم قريب ، ما أسرع الساعات في اليوم ، وما أسرع الأيّام في الشّهور ، وما أسرع الشّهور في السّنة ، وما أسرع السنين في العمر ، وإنّما يعاتب اللبيب ، ويوعظ من يعقل ، ولا خير فيمن لا عقل له ، يذهب اليوم بما فيه ، ويأتي غدا لكي تتوبوا فيه ، لكأنّ كلّ امرئ منكم قد حضر موضع وحدته من الأرض ، فيا له من بيت وحدة ، ومنزل وحشة ، ومفرد غربة ! ألا فاحذروا عباد اللّه ممّن يزعم أنّه ينصحكم وهو لنفسه غاشّ ، واحذروا من قد أتعب نفسه ، وأظهر حرصه ، وغلبت عليه شهوة سكره وغشاوة بصره . عباد اللّه ، كيف يضحك ويفرح من هذه حاله ، فكأنّ الصّيحة قد أتتكم ، والساعة قد غشيتكم ، وأجبتم المنادي ، وأهطعتم إلى الداعي ، ينتظر لكم فصل القضاء [ و ] قد

--> ( 1 ) . وفي نهج البلاغة : « أنّ عليكم رصدا من أنفسكم وعيونا من جوارحكم ، وحفّاظ صدق يحفظون أعمالكم وعدد أنفاسكم ، لا تستركم منهم ظلمة ليل داج ، ولا يكنّكم منهم باب ذو رتاج ، وإنّ غدا من اليوم قريب . . . » .